قالت منصة "جيوبوليتيكال مونيتور" الاستخباراتية إن السياسة الخارجية المصرية اتبعت لسنوات طويلة مبدأ "التوازن الاستراتيجي"، الذي ينطوي على علاقات متوازنة مع جميع القوى العظمى على حد سواء وعدم الانحياز الاستراتيجي.

 

لكنها أشارت إلى أن ذلك قد يتغير الآن. وبحسب ما نقلت عن وزارة الخارجية المصرية، فإن التوازن الاستراتيجي هو مبدأ تقوم عليه مصر في الحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى العظمى، وعدم المشاركة في أي تحالفات عسكرية، وتعزيز سيادة مؤسسات الدولة على الاضطرابات الإقليمية، بما يخدم مصالح مصر الخارجية على أفضل وجه في الوقت الراهن. 

 

وقالت المنصة الكندية، إن هذا المبدأ قد أثر على سلوك مصر في النزاعات والأزمات الإقليمية المجاورة. ففي ليبيا، دعمت مصر الجيش الوطني الليبي (بقيادة خليفة حفتر) في الحرب الأهلية ضد المسلحين الإسلاميين، متجنبةً التدخل المباشر واسع النطاق. 

 

وفي السودان، أشارت إلى أن مصر تدعم حاليًا القوات المسلحة السودانية في الصراع الدائر ضد قوات الدعم السريع، دون تدخل مباشر واسع النطاق أيضًا. وفي كلتا الحالتين، يعكس نهج القاهرة الأهمية التي توليها للاستقرار على طول حدودها المباشرة.

 

على صعيد العلاقات السياسية بين القوى العظمى، قال التقرير إن مصر حافظت على علاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة منذ سبعينيات القرن الماضي، وهي علاقة بالغة الأهمية لمنظومة الأمن الإقليمي، حيث صنّفت واشنطن مصر كحليف رئيس من خارج حلف الناتو في إطارها الأمني. 

 

في الوقت نفسه، أوضح أن مصر تحافظ على شراكة متينة مع روسيا، تشمل التعاون في بعض المجالات الدفاعية وفي مجال المفاعلات النووية السلمية عبر شركة روساتوم الروسية. كما ترتبط مصر بشراكة استراتيجية شاملة مع الصين، تتضمن استثمارات ضخمة وتعاونًا في مجال البنية التحتية. ومن المتوقع أن تتوسع هذه الشراكة، إذ تشير التقارير إلى تعميق التعاون الدفاعي بين البلدين منذ عام 2023.

 

عقيدة مصر تحت الضغط


وبحسب التقرير، فإنه منذ عهد جمال عبد الناصر، وفي عهد السادات وخلفائه، انتهجت مصر سياسة خارجية تمحورت حول المصالح الوطنية واحترام مبادئ وستفاليا المتعلقة بالسيادة وعدم التدخل، لا سيما في ظل التحالف القوي بين إسرائيل والولايات المتحدة؛ وسعت إلى تأمين أراضيها وإعطاء الأولوية لمصالحها الوطنية. 

 

وفي هذا السياق، حافظت مصر على ترتيبات أمنية هامة مع إسرائيل، مع ضمان حماية المصالح الأمنية الأمريكية في المنطقة دون المساس بالأمن القومي المصري.

 

لكنها أشارت إلى أحد مصادر التوتر في العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة ومصر في عام 2011، حين خلص العديد من صناع القرار المصريين إلى أن تعامل واشنطن مع رحيل مبارك جعل مصر عرضة بشكل خطير للاضطرابات الإقليمية التي تلت ذلك. وأدى إزاحة جماعة الإخوان المسلمين من السلطة عام 2013 إلى تجميد الولايات المتحدة لجزء من مساعداتها الاقتصادية والعسكرية لمصر. 

 

وقالت المنصة الاستخباراتية إن هذه الأحداث الثلاثة شكّلت نقطة تحول مبكرة في علاقة أصبحت منذ ذلك الحين أكثر نفعية، وتتسم أحيانًا بالتوتر. ثم بدأت مصر بتنويع وارداتها من الأسلحة، بما في ذلك من روسيا، ما دفع الولايات المتحدة إلى التهديد بفرض عقوبات على حليفتها بسبب شراء مصر طائرات سو-35 الروسية.

 

ورأت أن حرب غزة أدت إلى تفاقم هذه التوترات، فقد زاد التوسع في النشاط العسكري الإسرائيلي من المخاوف الأمنية في مصر، التي أثارت القضية مرارًا وتكرارًا مع الولايات المتحدة وسعت جاهدةً لوقف إطلاق النار، وهي عملية استمرت عامين. 

 

علاوة على ذلك، أشارت إلى أن إعلان الرئيس ترامب، في بداية ولايته الثانية، نيته ضم قطاع غزة، مما ينذر بتهجير قسري لمواطنيه، هو أمر رفضته مصر مرارًا وتكرارًا. ونتيجة لذلك، أرجأ السيسي زياراته المتكررة إلى البيت الأبيض، ليصبح بذلك آخر زعيم عربي بارز يلتقي ترامب، الذي زار شرم الشيخ لفترة وجيزة لحضور قمة السلام في غزة في أكتوبر 2025.

 

وأوضحت أنه مع تصاعد النشاط العسكري الإسرائيلي في المنطقة واتساع الفجوة التكنولوجية بين الجيش الإسرائيلي والجيش المصري لصالح إسرائيل، يبدو أن مصر قد كثفت مساعيها لعقد شراكات دفاعية متقدمة، بما في ذلك مع روسيا والصين وفرنسا. 

 

وخلال اجتماع وزير الخارجية المصري مع الرئيس بوتين في موسكو الأسبوع الماضي، أعلن بوتين عزمه على جعل مصر مركزًا رئيسيًا للحبوب والطاقة في المستقبل، لتكون بديلاً محتملاً في ظل الإغلاقات الحالية. 

 

كما وجه بوتين دعوة رسمية للسيسي لزيارة موسكو، لتكون الزيارة الثامنة له منذ انتخابه لأول مرة عام 2014. ويعكس توقيت الدعوة استياء مصر من النهج الأمريكي في الشرق الأوسط منذ عام 2011، حيث أثرت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الحالية على إيران بشدة على واردات مصر من الطاقة، وألحقت ضررًا بالغًا باقتصادها المتعثر أصلًا، وفق التقرير.

 

محور سني جديد


أبرز التقرير أن الأشهر الأخيرة شهدت تزايدًا ملحوظًا في وتيرة الاتصالات الدبلوماسية بين تركيا ومصر وباكستان والسعودية وقطر، وشمل اجتماعات وزارية وزيارات قام بها الرئيس أردوغان إلى عواصم مختلفة. وتزايدت التكهنات حول إمكانية تطور هذه الاتصالات إلى تحالف إقليمي أكثر تنظيمًا، إلا أن وزارة الخارجية المصرية نفت ذلك لاحقًا، على الرغم من التعاون الوثيق بين هذه الدول في الاجتماعات التي سبقت قمة غزة للسلام في أكتوبر 2025. 

 

وخلال الصراع الحالي في الخليج، اجتمعت هذه الدول مجددًا في محاولة لإنهاء الحرب، لا سيما من خلال عقد اجتماعات في إسلام آباد.

 

وقال التقرير إن تركيا، التي تبدو الفاعل الأكثر مبادرةً في دفع هذا التنسيق نحو إطار إقليمي أكثر وضوحًا، إذ بذلت جهودًا دبلوماسية كبيرة لإصلاح علاقاتها مع السعودية ومصر بعد تدهورها عقب مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية بتركيا وسقوط حكومة الإخوان المسلمين المدعومة من تركيا في مصر. 

 

وأضاف: "ويبدو أن المنطق الكامن وراء أي تحالف من هذا القبيل يتمحور، على أقل تقدير، حول احتواء عدم الاستقرار الإقليمي والتصدي لتنامي حرية إسرائيل في العمل بعد السابع من أكتوبر. وقد أعرب مسؤولون إسرائيليون بالفعل عن مخاوفهم إزاء التوسع العسكري الصناعي التركي والتوسع المتزايد للجيش المصري، لا سيما الحشد العسكري في صحراء سيناء المجاورة، نتيجة للعمليات الإسرائيلية في غزة. كما أعرب مسؤولون إسرائيليون عن استيائهم من السعودية لرفضها المتكرر تطبيع العلاقات مع إسرائيل قبل إقامة دولة فلسطينية مستقلة".

 

وبجسب التقرير، يكمن الثقل المحتمل لمثل هذا التحالف في الأصول المختلفة التي سيجلبها أعضاؤه. تقدم السعودية دعمًا ماليًا، ونفوذًا نفطيًا، وتأثيرًا دينيًا. وتساهم مصر بثقلها الديموغرافي، وقوتها العسكرية، ونفوذها السياسي الراسخ في الشؤون العربية. كما أنها الدولة الوحيدة التي أجبرت إسرائيل على التنازل عن أراضٍ لها. وتضيف باكستان قيمة الردع النووي، وقوة عسكرية ضخمة، وأهمية سياسية في العالم الإسلامي الأوسع. أما قطر، فتقدم نفوذًا ماليًا وغازًا طبيعيًا، وقدرة على الوساطة. وخلص التقرير إلى أنه: "نظريًا، يمكن لمثل هذا التكتل أن يسهم في تحقيق توازن إقليمي أكثر قبولاً للقوى".

 

ما هي الحدود التي سيواجهها محور سني جديد؟


مع ذلك، رأى أنه "قد لا يكون من السهل توحيد جهود هذه الدول للالتزام بسياسة خارجية مشتركة. فقد تجاوزت مصر وتركيا للتوّ قطيعةً حادةً في علاقاتهما الثنائية، كادت أن تتصاعد إلى صراع في ليبيا عام 2019. وفي الوقت نفسه، تواجه مصر وتركيا وباكستان أزمات اقتصادية حادة ناجمة عن التضخم ونقص العملات الأجنبية". 

 

علاوة على ذلك، أشار إلى الديون المرتفعة التي تثقل كاهل باكستان ومصر بشكلٍ لا يُطاق، وسيتوقف نجاح هذا الترتيب على ما إذا كانت مصر وتركيا وباكستان ستتفق على هيكل قيادي وتتغلب على مشاكلها الاقتصادية، وهو ما سيصبح أكثر جدوى إذا قدمت قطر والسعودية حوافز مالية.

 

إضافةً إلى ذلك، لاحظ التقرير أن تركيا، تبدو من بين جميع المشاركين المحتملين، تحمل أهدافًا توسعية في أجندتها السياسية الخارجية. فقد وسّعت تركيا نطاق وجودها الإقليمي بإنشاء قواعد عسكرية في الصومال وغرب ليبيا ، فضلًا عن التنقيب عن النفط والغاز قبالة سواحل ليبيا وقبرص ، الأمر الذي فاقم التوترات مع مصر وقبرص واليونان في السنوات السابقة. وقد يُؤدي هذا الموقف الإقليمي الأكثر نشاطًا لتركيا إلى توترات إذا اعتبر الأعضاء الآخرون هذا التحالف وسيلةً لبسط نفوذها. 

 

والأهم من ذلك، كما يقول التقرير، إن كلًا من تركيا وباكستان ومصر قادرة على مواجهة إسرائيل بشكل منفصل. وما رجّح كفة التحالف هو ما يراه العديد من الفاعلين الإقليميين على نحو متزايد انحيازًا قويًا من جانب واشنطن لأجندة إسرائيل الإقليمية بعد أحداث 7 أكتوبر، الأمر الذي قد يُلغي المشروع إذا خفّضت الولايات المتحدة دعمها السياسي للنشاط العسكري الإسرائيلي في المنطقة، لا سيما وأن الدول الثلاث تُحافظ على علاقات أمنية متينة مع الولايات المتحدة.

 

المفاضلات الاستراتيجية في مصر


على الرغم من كون مصر من أقدم دول المنطقة، باقتصاد متنوع - وإن كان مثقلاً بالديون - وقوات مسلحة قوية مجربة في المعارك، إلا أن القاهرة تواجه معضلة فريدة، كما يذكر التقرير. فمنذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، عقب اتفاقيات كامب ديفيد مع إسرائيل، حافظت مصر على تعاون أمني وثيق مع الولايات المتحدة وإسرائيل. إلا أن هذا التعاون كان مشروطاً بشكل غير رسمي بتقييد النشاط العسكري الإسرائيلي في المنطقة وداخل حدود إسرائيل. 

 

ومن بين الفوائد التي جنتها مصر من هذا النموذج الأمني مع الولايات المتحدة وإسرائيل، المساعدات الاقتصادية المتمثلة في الوصول إلى أسواق الدين والمؤسسات المالية الدولية. ولكن مع قيام إسرائيل والولايات المتحدة بإعادة تشكيل الديناميكيات الأمنية في الشرق الأوسط، 

 

وفقًا للتقرير، تواجه مصر خيارًا استراتيجيًا صعبًا بين الخروج من منطقة الراحة الأمريكية لموازنة سياسة إسرائيل التوسعية، فذلك من شأنه أن يحرم مصر من الدعم الاقتصادي الذي هي في أمس الحاجة إليه، ومن الوصول إلى المظلة الأمنية الأمريكية، التي ترى القاهرة أنها باتت تُفضل بشكل متزايد الأولويات العملياتية الإسرائيلية على حساب التفاهمات الإقليمية غير الرسمية التي شكلت النظام ما بعد كامب ديفيد لفترة طويلة. 

 

وانتهى التقرير إلى أنه "لم يعد السؤال المطروح أمام القاهرة هو ما إذا كانت تُفضل الموازنة الاستراتيجية. الأمر يتعلق بما إذا كان النظام الإقليمي لا يزال يسمح بذلك".

 

https://www.geopoliticalmonitor.com/strategic-balancing-or-strategic-drift-egypt-in-a-reordered-middle-east/